أُمسية مع الأديب العراقي علي بدر

أُمسية مع الأديب العراقي علي بدر

ديزيري كوسترز

ديزيري كوسترز

طالبة ماجستير دراسات عربية و اسلامية في جامعة لوفن الكاثوليكية, حاصلة على ماجستير في السياسة الدولية و دراسات النزاع في جامعة لايدن و جامعة أوترخت

الكاتب العراقي علي بدر، الذي أصدر حتى الآن 15 عملاً أدبياً وحصل على جوائز أدبية عديدة، وترجمت أعماله إلى أكثر من 18 لغة أجنبية، كان ضيفاً على لاغرانج بويْنتس بروكسل ، يوم 3 مارس/آذار الجاري وقد قُمت بتقديمه وإجراء اللقاء معه.

علي بدر معروف برواياته التي نالت شهرة واسعة النطاق بعد ترجماتها إلى اللغات الأجنبية، لكنه كتب أيضاً كتباً فكرية وكتب في الصحافة العربية والعالمية، مثل الحياة، النهار، الأخبار، الليبراسيون، اللموند، الواشنطن بوست والإندبندنت. ومن بين رواياته الأكثر شُهرة بابا سارتر (2001)، مَصابيح أورشليم (2006)،  حارس التبغ (2008)، الكافرة (2015)، وحفلة القتلة (2018) .

بالرغم من أن أعمال علي بدر الأدبية متعددة الموضوعات ومتنوعة الأساليب السردية، لكن النقد الاجتماعي عبر السخرية إلى جانب المؤثرات الفلسفية هو العنصر الجذري الدائم في كتاباته. ففي روايته الأولى بابا سارتر اتخذ من السخرية والتهكُّم وسيلة لانتقاد الحركة الوجودية العراقية في ستينات القرن الماضي. قال علي بدر ( أنا أعد السخرية أداة سياسية لتهديم تجهم السلطة) وبالرغم من أن المجال الحيوي لرواياته هو العراق لكنه لا يحصر استخدام النقد على المجتمع العراقي فقط، إنما يوسعه لنطاق أكبر.

 رغم آثار الثقافات الأخرى في كتاباته، إلا أن علي بدر يؤكد على  دوره كمثقف منخرط في القضايا الحيوية للمجتمعات العربية، فللكتابة وظيفة أساسية في النقاش الدائر حول الشأن العام، وهي مهمة بالنسبة له، ذلك أن السرد بالنسبة له يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الأمة، المفهوم الذي طرحه هومي بابا في كتابه الشهير: الوطن والسرد(Nation and narration). ويورد علي بدر تصوراته عن دور السرد في الإسهام الحيوي في صناعة الثقافة الوطنية، فعندما كان يافعاً أثناء حرب الخليج الأولى شعر بأن بلاده مهددة بالمحو من الخريطة، من هنا انتبه إلى دور السرد في عملية بناء الأمة وقدرته على الحفاظ عليها من التفكك، وهي الفكرة التي طرحها بندكت أندرسن في كتابه الجماعات التخيلية ) (Imagined Communities. يؤمن علي بدر بأن الأدب وسيلة مهمة في ِإحداث التغييرات الاجتماعية والثقافية التي تؤدي إلى التغييرات السياسية، فالأدب هو عمل فردي يقوم على تغيير قناعات جماعية. ولا يؤمن بالتغييرات السياسية في العالم العربي من دون إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية. 

يستخدم علي بدر في كتاباته عناصر كثيرة، ويرتكز إلى تراث ثقافات أخرى، فإلى جانب الفكر الوجودي السارتري، نراه يقدم لنا في روايته أساتذة الوهم (2011) ثلاثة شعراء عراقيين مجندين في الحرب العراقية – الإيرانية مشغولين بقراء وترجمة الأدب الروسي هرباً من ويلات الحرب. ويعد علي بدر أن هذا النوع من الانفتاح ومعرفة الثقافات الأخرى من الأمور الهامة جداً في سياق الكتابة السردية ذلك أنها تؤكد بأن الأدب العربي لم ينفصل عن الثقافات الأخرى، وأنه يتطور عبر تفاعله مع هذه الثقافات. كما أن مهمة كتاباته الأدبية تكمن في الكشف عن المعاناة والمشاكل الاجتماعية المشتركة بين البلدان العربية وبلدان أخرى، في العالم، ليس في أوربا حسب، إنما في إفريقيا أيضاً، ويظهر ذلك في روايته لا تركضي وراء الذئاب يا عزيزتي (2007) التي تصف حياة مجموعة من المثقفين العراقيين الذين هربوا من المجزرة التي ارتكبها صدام حسين ضد الشيوعيين، والتحقوا في الجيش الذي أسسه هيلا مريام منغستو في أثيوبيا، فتدور أحداث الرواية في أديس أبابا وفي القرن الأفريقي. 

تدور أحداث روايات علي بدر الحديثة في مدينة بروكسل (بلجيكا) حيث يعيش منذ خمس سنوات. يستمر في كتابته الساخرة في عازف الغُيوم (2016) التي تروي قصة نبيل، عازف التشيلّو الذي يهرب من السلفيين في العراق الذين يُحرّمون الموسيقى، إلى بلجيكا. لِيُفاجأ بزوال فكرته المثالية عن أوروبا والآن عن بروكسل تحديداً، فالسلفيون موجودون في كل مكان، علاوة على أن هناك مناطق في بروكسل تبدو أكثر فقراً من منطقة سكنه في بغداد. وقد أوضح علي بدر بأنه في روايته هذه ينتقد أدب اللجوء الذي يركّز على الضحية وعلى الحنين إلى البلد الأصلي ولكنه يطرح عنصرية اللآجئين تجاه لاجئين آخرين وهذا موضوع لم يُتناول من قبل.

وجد علي بدر صوتاً جديداً في روايته الكافرة (2015) والتي تروي قصّة فاطمة التي تعيش في بلد يرزح تحت حكم إسلامي متطرف، فتهرب إلى بلجيكا بعد أن يقوم زوجها بعملية انتحارية. تعمد فاطمة على تغيير اسمها وهويتها لتصبح صوفي البلجيكية، وتعيش هذه الثنائية التي تسمح لها في الكشف عن المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه امرأة. أما كيف كتب علي بدر روايته هذه من وُجهة نظر امرأة، فيقول، إنه أغفل في سياق رواياته السابق صوت المرأة، فأراد التركيز على الجانب الأنثوي في النظر للحياة والمجتمع، وقد ساعدته حياته الجديدة في الغرب على اكتشاف صوت المرأة ومشاعر المرأة الذي كان خفياً وخافتاً في ثقافته السابقة. 

عمل علي بدر القادم، هي إيروتيكا بلجيكا، وهي رواية ساخرةتكشف عن الحياة الجنسية في الغرب، وتجارب المهاجرين ورؤيتهم للمرأة والحياة الغربية، حتى إصدار هذا العمل سيكون لنا معه لقاء آخر.