مصريانو: مضحك وبس؟

مصريانو: مضحك وبس؟

مارثة نيليسين

مارثة نيليسين

٢٣ سنة - بلجيكا
طالبة ماجستير في الأدب العربي من جامعة الدراسات الاستشراقية و الافريقية في لندن, ماجستير في الدراسات العربية و الاسلامية في جامعة لوفن-بلجيكا, مدونة و مترجمة

عندما نقرأ اول كتاب للمؤلف كارمينه كارتولانو واسمه “مصريانو” وهو مجموعة مكتوبة باللهجة المصرية تتكوّن من حكايات قصيرة عن الحياة اليومية في القاهرة للأجانب, فلا بد أن نتسائل من يضحك على من في هذه المجموعة الذكية للغاية. يهدف كارتولانو قلمه الحاد إلى كلا المصريين والايطاليين ولكن يسخر كارتولانو في معظم الأحيان من نفسه كايطالي يتكلم اللغة العربية (إلا أنه يبق أجنبي). 

تبدأ المجموعة بتصوير حي للتحدي الذي يواجهه ربما كل سائح يصل إلى القاهرة للمرة الاولى وهو تحدي وجود تاكسي بسعر معقول, ويلاحظ كارتولانو أن “في مصر سوّاق التاكسي بيختار الزبون مش الزبون اللي بيختار التاكسي”. على رغم من ذلك تدور مشاهد الحياة اليومية في القاهرة وتحدياتها التي يتصورها مصريانو بظرف شديد إلى مسألة أكثر خصوصا وهي مسألة الأجنبي في مصر وخصوصا الأجنبي الذي لا يريد أن يُرى كأجنبي فقط. كايطالي يتكلم اللغة العربية يتأخذ كارتولانو دورا أغمض من دور الملاحظ الذي يراقب الثقافة المصرية من موقف خارجي فيقف كرتولانو بين ثقافتين ويحب الاثنين ويسخر من الاثنين وهو داخل ودخيل في نفس الوقت. 

فيصف كارتولانو العادات المصرية بالنسبة للمكالمات ويسأل بفظاظة “عايز إيه؟” من غير أي نوع من المجاملات الطويلة التي هي عادية في بداية المكالمات التليفونية في مصر. إلا أنه يسرع للإشارة إلى أن تجاهل عادة تبادل المجاملات خلال المكالمات لا يتسبب عن جهل العادات المصرية  بل عن ملاحظته الساخرة أن شركات الهاتف المصرية تعيش على المجاملات الفاضية فقط. يتصور نفسه كذلك ليس كأجنبي الذي لا يدرك أن هذا السلوك قليل الأدب بل كابن البلد الذي واعي إلى العادات المصرية غير أنه يقرر ساخرا أن يتجاهلها. على رغم من ذلك  يعترف كارتولانو في أحيان أخرى أنه دخيل على البلد فيصف, بنفس السخرية تحدياته بفهم العادات المصرية  الغير مألوفة له كايطالي. فمثلا في فصل اسمه “الحج” يعكّر البواب على كارتولانو في شقته وهو يقول “كل سنة وانت طيب” مرارا وتكرارا ففي النهاية يعطيه كارتولانو بعض النقود حتى يمكن أن يرجع لعمله وبعد ذلك يتسائل: “أنا دفعت الخمسه جينه دول ليه؟”  ونفس السخرية من الذات موجودة في فصل “البندقية” وهي عبارة يستخدمها كارتولانو في طريقة ساخرة ليشير إلى الشطافة الصحية التي موجودة في كثير من الحمامات في الشرق الأوسط. فيجد كارتولانو نفسه في هذا الفصل في بدلة فظيعة تماما وهذا قبل مقابلة مهمة لأنه دفع الأكرة الخاطئة وكذلك فتح الشطافة بدل السيفون. 

خصوصا الفصلين الاَخيرين واسمهما “أبجدية الخواجات” و”أبجدية المصريين” يحتويان من ملاحظات دقيقة ومضحكة عن مفردات ناطقين اللهجة المصرية من ناحية ومفردات متعلمين هذه اللهجة من ناحية ثانية. يسخر كارتولانو من ناحية من أجانب مبتسمين مبتسمة غبية وهم يتظاهرون بأنهم “فاهمين” الكلام بالعربي ويسخر من ناحية ثانية من المصريين الذين يطلقون “برافو عليك” على كل أجانب حتى لو يعرفون كلمتين بالعربي فقط.  

من الواضح أن مهمة السخرية تقع في ارتباط فصول الكتاب المختلفة وحتى في الفصول التي الجو فيها لطيفة كارتولانو ليس قادر على تمنّع عن نقطة ساخرة في نهاية القصة. فيتذكر الؤلف في فصل “عصل ولمون” أصحابه الذين كانوا يزورونه وهو مريض في البيت ويجيبون له بكل أنواع من الأكل. في ما يلي يبدو أن كارتولانو تتخلّى من سخريته ويدرك خلال السهرة الممتعة أنه عنده في الحقيقة كثير من الأصحاب الوثاق في مصر إلا أنه فورا بعد هذه الملاحظة العاطفية يذكر أنه لا بد أن البوّاب فرحان جدا لأنه مريض. 

فيمكن كارتولانو الذي يشهد اشاراته إلى شخصيات القنوات العربية المشهورة واستخدامه الطبيعي للتعبيرات المصرية على تاَلف مع الثقافة واللغة المصرية أن يضحك عليها من داخلها ويحفظ عيون الدخيل. ويقع كرتولانو في المنطقة التي ما بين ثقافتين يلمس الفكرة المهتمة لTaiye Selasi أن يجب علينا تبديل سؤال “انت من أين؟” بسؤال “تكون محلي أين؟” وتشير هذه الفكرة إلى أن الفرد ليس مرتبط بدولة وحيدة ولكن يمكن أن يكون محلي في مختلف الأماكن. فيكون كارتولانو محلي في اطاليا وبالاضافة إلى ذلك يصبح محلي في القاهرة أيضا في هذا الكتاب ويستمتع امتياز أن يرى كلتا الثقافتين من ناحية مختلفة عن الناحية التي يمكن يراهما شخص ايطالي أو شخص مصري فتمكّن كارتولانو في هذا الموقف من أن يلاحظ الثقافتين في ضوء مختلف ويكتشف مشابه وتناقضات بينهما مستخدما الملاحظة الدقيقة والسخرية الحادة. 

من الممكن أن يتهموا بعض قراء كارتولانو من انشاء الشخصيات والصور النمطية من غير تناولها نقديا على مستوى أكثر عمقا. من الصحيح أن كتاب مصريانو يتحدث دون مزيد من اللغط عن الحكومة الايطالية كأنها المافيا, وعن الرجال المصريين الذين ليسوا قادرين على السيطرة على رغباتهم الجنسية ويخونون دائما زوجاتهم وعن الايطاليين الذين لا يتقنون اللغة الانجليزية وعن المصريين الذين يفكّرون أن كل الأجانب أغبياء. من الممكن أن نقول أن كارتولانو يلمس المواضيع المهمة بدون توفير السياق ويختار أن يحافظ على الصور النمطية  إلا أن كتاب مصريانو لا يدعو أن يكون مناقشة نقدية للقضايا الاجتماعية بل يحتوي من ملاحظة الحياة اليومية الحادة للغاية وهذا هو بالضبط ميزة الكتاب: تفريغ الصور النمطية باستخدام صور نمطية أخرى وتضحيك القارئ سواء مصري أم أجنبي يتعلم اللغة العربية. ومن الممكن أن يقع أساس المقابلة بين ثقافتين في هذا المكان بالضبط: في سوء التفاهمات والاحتاطات والشجارات المضحكة بين الايطالي والعربي. 

وبالإضافة إلى ذلك يظل من المهم أن نعتبر بجانب كل هذه الأفكار التوجيهات التي وفّر كارتولانو نفسه بالنسبة لنوايات كتابه. لما نراقب هذه التوجيهات التي يحتوي من بعض الأسئلة البسيطة بين الفصول المختلفة فيبدو أن المؤلف لم يكن يريد أن يعقّد الأمر لهذه الغاية. فتلعب الأسئلة بلقب مصر المشهور “أم الدنيا” وتدورحول نفس الفكرة: لو مصر فعلا أم الدنيا كما يقال فمذا عن الأب؟ من هو؟ ذهب إلى أين ولمذا؟ وهل سيرجع في يوم من الأيام؟ وفي الفصل الأخير يعدد كارتولانو كل أسئلته السابقة ويوجه انتباه القارئ إليها من جديد وبالإضافة إلى ذلك يشير إلى أهم سؤال بالنسبة له وهو “ولو كان فيه أب, سابها ليه؟” فيسأل كارتولانو القراء: لمذا كان سيترك أي شخص مصر؟ لما نأخذ في الاعتبار هذا السؤال العاجل فيبدو أن أحسن طريقة لقراءة كتاب مصريانو هي الطريقة كوصلها المؤلف نفسه لاحقا في مقابلة عن أول كتابه: رسالة غرامية للمصريين.