حكايا الأندلس ما بين الحقيقة والخيال

حكايا الأندلس ما بين الحقيقة والخيال

 عاصم كاتبة

عاصم كاتبة

طبيب و مدون و ناشط ثقافي من سوريا, مقيم في بلجيكا

شكلت المرحلة التاريخية من حكم العرب لأرض الأندلس في شبه الجزيرة الإيبيرية مرحلة مهمة من الحضارة الإنسانية امتزجت فيها العديد من الثقافات والأجناس، هذه الحقبة الزمنية التي تقارب الثمانية قرون بدأت بعبور طارق بن زياد وجنده البحر في بداية القرن الثامن وصولاً إلى ليلة سقوط غرناطة على أيدي فرناندو الثالث ملك قشتالة وليون في أواخر القرن الخامس عشر.

إذا عدنا إلى البدايات فبعد سقوط الخلافة الأموية في الشام على أيدي العباسيين بدأت مرحلة جديدة من الحكم العربي للأندلس حيث شكل دخول الأمير الأموي عبر الرحمن بن معاوية بداية لحقبة جديدة من الحضارة العربية ازدهرت فيها مدن الأندلس كقرطبة وإشبيلية وطليطلة حيث أصبحت حواضر عمرانية يقصدها طلاب العلم والأدب خلال العصور الوسطى، فقد شهدت الحواضر الأندلسية تطور العلوم من طب وهندسة وفلسفة وازدهار الفنون من موسيقا وأدب وعمارة، حيث بنيت القصور والمدارس والجوامع والحدائق شكلت بعضها فيما بعد تحفاً معمارية لا تزل ماثلة حتى يومنا هذا لتشهد على عظمة هذه الحضارة كقصر الحمراء في غرناطة وجامع قرطبة الكبير والخيرالدا في إشبيلية وقصر الجعفرية في سرقسطة وغيرها الكثير.

لا شك أن حالة الاستقرار والغنى التي سادت الأندلس مكنت الكثير من الأندلسيون من التفرغ للأدب والفلسفة وعلم الكلام، فقد تحولت قصور الخلفاء إلى مجالس للشعر والغناء ومحافل للشعراء والملحنين كزرياب الذي أبدع أجمل الألحان والموشحات في قصر الخليفة عبد الرحمن الثاني الذي كان محباً لحياة الأبهة والثراء، ولا يزل الكثير منها يغنى حتى يومنا هذا كموشح زمان الوصل بالأندلس، وابن زيدون الذي نظم أجمل قصائد الغزل في وصف محبوبته ولادة بنت المستكفي، وكانت هذه القصور تشهد في أحيان كثيرة مناظرات للفقهاء والمتصوفة وهنا لا بد من ذكر بعض الأعمال الخالدة كطوق الحمامة لابن حزم وترجمان الأشواق لابن عربي وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد وغيرها الكثير. وفي ذات الوقت فإن المرويات الشعبية وقصص العشق في قصور الخلافة شكلت مصدر إلهام للكثير من النتاجات الأسبانية اللاحقة التي تحتوي على اقتباسات كثيرة من الأدب الموريسكي كما في أعمال ميغيل دي ثيربانتس (دون كيخوطي) ولوبي دي فيغا (طائر الفينيق) وإسحق ألبينيز (أناشيد إسبانيا) وغيرها من الأعمال الأدبية التي يعتمد بعض منها على قصص تجمع ما بين الواقع والمتخيل كقصة ابن السراج والجميلة شريفة، وقصة المعتمد بن عباد وجاريته اعتماد الرميكية، والملك المنصور وجارية الخليفة صبح البشكنجية ومثلها الكثير من مروحيات وردت في أعمال الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفينغ الذي عشق الأندلس وكتب عنها أجمل كتبه، بالإضافة إلى مخطوطات نادرة مجهولة المؤلف ضاعت أو نهبت خلال حروب الاسترداد عثر على بعض منها في مكتبة الفاتيكان بروما ومكتبة الإسكوريال بمدريد.

هذا التراث الموريسكي شكل مادة خصبة لأعمال أدبية معاصرة منها على سبيل المثال رواية ليون الإفريقي لأمين معلوف والذي يرصد من خلالها نظرة الكنيسة في الغرب للعرب في الأندلس ودعمها لحرب الاسترداد، ورواية البيت الأندلسي لواسيني الأعرج الذي يسترجع فيها قصة تهجير الموريسكيين من غرناطة وجمال العمارة الأندلسية وزخرفتها، بالإضافة لتحف درامية معاصرة كثلاثية الأندلس لوليد سيف وحاتم علي، وليلة سقوط غرناطة لمحفوظ عبد الرحمن وعباس الأرناؤوط، بالإضافة لأعمال سينمائية عديدة كفيلم المصير ليوسف شاهين الذي تعرض الفيلم لانتقادات حادة نتيجة احتوائه على مغالطات تاريخية، والفيلم الإسباني المطرودون الأندلسيون. لا شك أن هناك بعضاً من المبالغة في تصوير تلك المرحلة الغنية من التاريخ التي سادت فيها الفتن والصراعات كما أن الخيال يطغى في بعض الأحيان على بعض النتاجات الأدبية والفنية المقتبسة من التراث الأندلسي، لكن تبقى تلك المرحلة من الحضارة العربية تشكل مفصلاً مهماً من الحضارة الإنسانية لا يمكن تجاوزه ومرحلة شهدت تفاعلاً اجتماعياً وثقافياً وتجاذبات دينية وسياسية بين الشرق والغرب لا مثيل لها في التاريخ.