الهوية المركبة – مقارنة بين شرق المتوسط وأوروبا

الهوية المركبة – مقارنة بين شرق المتوسط وأوروبا

عاصم كاتبة

عاصم كاتبة

طبيب و مدون و ناشط ثقافي من سوريا, مقيم في بلجيكا

لطالما كان موضوع الهوية هو الشغل الشاغل للكثيرين منا في مرحلة المراهقة والشباب، يومها كان النقاش مع الأهل والزملاء والأصدقاء دائماً يصل إلى نفق مسدود بسبب عدم وضوح المفهوم لدى الجميع، فالبعض يعتبر هويته هي القبيلة والعشيرة -العائلة بالمعنى الحضري- أو الطائفة والمجموعة الدينية، وفي معظم الأحوال الانتماء للقرية أو المدينة الذي ولد فيها أبوه وجده وجدّ جده. لتأتي مرحلة الدراسة الجامعية حيث شكل الحوار مع الزملاء من بيئات وفئات اجتماعية مختلفة تراكماً معرفياً ساعدنا على وضوح الرؤيا أكثر، لكن بقي الموضوع مبهماً ويحتمل الكثير من الأجوبة في بحر من المصطلحات والتوصيفات، ما بين عربي وكردي وتركي وسرياني، وما بين وشامي وحلبي وبيروتي ومقدسي، وغيرها من المسميات التي تستخدم للتعبيرعن الهوية العرقية والمناطقية

ما حصل في منطقة شرق المتوسط بعد نهاية الحرب العالمية الأولى من ترسيم للحدود جعل المنطقة دائماً في حالة عدم استقرار، ومع مرور السنين وخروج الاستعمار بشكله القديم من المنطقة بقيت شعوب تلك المنطقة في حالة نزاع دائم فيما بينها وعاجزة عن إيجاد حلول واقعية لمشاكلها المتراكمة، واستشعار مستقبلها والذي عبر عنه الكثير من مفكرين كبار في كتاباتهم كعبد الرحمن منيف في روايته شرق المتوسط، وصادق جلال العظم في كتابه نقد الفكر الديني، وممدوح عدوان في كتابه حيونة الإنسان.
خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ومع سيطرة الأحزاب الإيدلوجية على أنظمة الحكم برزت الكثير من الأصوات التي ترد المنطقة إلى هوية واحدة تنكر ما عداها من الهويات، فالكثير منها يعتبر هوية المنطقة عربية إسلامية، والبعض يتحدث عن استعادة الهوية السريانية وأن المنطقة مسيحية والعرب هم مجرد قبائل بدوية احتلتها إبان ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، بينما البعض الأخر يتحدث عن الهوية الفينيقية كما في لبنان أو إعادة إنتاج الآرامية وتوصيف الدرزية كهوية عرقية كما في فلسطين المحتلة. في ذات السياق برزت الكثير من التوصيفات التي تربط بين أنظمة الحكم السياسي والانتماء الديني والطائفي كالمارونية السياسية في لبنان والعلوية السياسية في الساحل السوري والملكية الهاشمية شرق نهر الأردن على سبيل المثال، كما نجد هذه التوصيفات تستخدم أحياناً عند الحديث عن ماهية نظام الحكم في بعض المناطق ذات الغالبية الكوردية في شمال سوريا والعراق وجنوب تركيا وغيرها الكثير من الأمثلة التي تعبر عن تنامي النزعات العنصرية

في الجهة المقابلة ارتبط تطور مفهوم الهوية في المجتمعات الأوروبية بالتحول في أساس عقدها الاجتماعي من مفهوم الرعاية الذي يقوم على رابط الإخوة في الإيمان المسيحي نحو مفهوم المواطنة الفعالة كأساس ومبدأ عام ينظم العلاقة بين أبناء البلد القومي الواحد بالدرجة الأولى ليتحول تدريجياً ويشمل القارة العجوز، حيث شكلت كتابات المفكرين والفلاسفة في عصر التنوير أمثال الهولندي دسيدروس إيراسموس والانكليزي جان لوك في نظرياتهم عن التعليم والفرنسي جان جاك روسو في نظريته عن العقد الاجتماعي قاعدة أساسية لهذا التحول. ومع صعود وتنامي دور حركات التحرر الاجتماعي والسياسي التي سادت أوروبا بعد الثورة الفرنسية أدرك الأوروبيون بأن الكنيسة عاجزة عن إدارة حاضر ومستقبل بلدانهم، فحل القانون المدني تدريجياً محل القوانين والأعراف الكنسية، وأصبح ارتباط المواطن الأوروبي بالكنيسة مجرد ارتباط اجتماعي يقتصر على المناسبات والاحتفالات الدينية التي يغلب عليها استرجاع بعض الأزياء والعادات التي سادت في عصور سابقة أو التغني بفن عصر النهضة والموسيقى الكنسية كفن راقي يعبر عن علاقة الإنسان مع الرب دون الحاجة لوساطة تكبل هذه العلاقة

هذا التحول كان حصيلة لسنوات طويلة من العمل الجاد وتطوير التعليم وتحرير الفكر من القيود، فتجربة الأوروبيين خاصة خلال العقود الأخيرة تعكس مستوى عالٍ من الوعي المجتمعي تراكم مع الزمن في المجتمعات الأوروبية، هذه التجربة عززت مفهوم الهوية الأوروبية الجامعة، وفي ذات الوقت أخذت بعين الاعتبار احترام فكرة التنوع والاختلاف بين الشعوب الأوروبية على صعيد التاريخ والتراث واللغة حيث هناك ٢٤ لغة رسمية معترف ويتم العمل بها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي مثالاً. بالتأكيد كل ذلك لم يكن ليصل له الأوروبيون لولا إرادة ووعي الكثيرين من أصحاب العقول والمفكرين منهم بضرورة التصالح والتفاهم على مستقبل القارة العجوز بعد حربين عالميتين أحرقتا الأخضر واليابس، فسقوط جدار برلين الذي شكل حدثاً تاريخياً في السياسة العالمية كان بداية انفتاح الدول الأوروبية على بعضها البعض وتكامل خططها الاقتصادية والسياسية والأمنية وصولاً إلى إلغاء تأشيرة الدخول وفتح الحدود بين بعضها البعض، ورغم الكثير من التحديات التي تواجهها أوروبا اليوم لكن ما زالت الأصوات التي تنادي بالوحدة الأوروبية تعلو على صوت الحركات الراديكالية واليمين المتطرف في بعض الدول

في المقابل لم تستطع شعوب الشرق الأدنى في منطقة شرق المتوسط من عرب وكرد وتركمان وفرس وسريان وأرمن وغيرها من قوميات عرقية وجماعات دينية ومذهبية من التصالح مع بعضها واحترام هوية الآخر رغم الكثير من الروابط التي تجمعها، هنا لابد من ذكر الكثير من الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى كإنكار الكثير من العرب للهوية الكوردية، وإنكار الأتراك للإبادة الأرمنية وحقوق الكرد، وقطيعة السريان والأرمن للحوار مع الأتراك، وتعصب الأكراد للقومية الكوردية وغيرها الكثير. لذلك لازال حال شعوب هذه المنطقة في حالة تردي، وأنظمة دول المنطقة في حالة ترهل حتى عجزت عن إيجاد حلول لمشاكلها المستعصية على الحل، فوصلت مرحلة الصدام والاقتتال فيما بينها والمضي في سياسة إلغاء الطرف الآخر بحجة أنه يهدد وجودها

هنا لابد من التنويه أيضاً إلى أن الحديث عن الهوية شغل حيزاً كبيراً في نتاج بعض المفكرين ممن عاشوا تجربة الحياة في عالمين وثقافتين مختلفتين، منها على سبيل المثال التناقض الهوياتي الذي عبر عنه إدوارد سعيد في كتابه خارج المكان، والالتباس في تحديد الانتماء وتشكيل الهوية الذي وصفه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة، وغيرهم الكثير من أدباء ومفكرين ذوي أصول شرقية عاشوا جزءاً كبيراً من حياتهم خارج المكان الذي ولدوه فيه والبيئة التي ترعرعوا فيها

في المحصلة هذه المقارنات جميعها تلقي الضوء على أهمية تحديد تصور واضح لمفهوم الهوية في منطقة شرق المتوسط، وأن التفاهم بين شعوب هذه المنطقة على هويتها هو مدخل أساسي لإيجاد حلول عملية تفرض قيم السلام والعدالة الاجتماعية بين جميع مكوناتها، حيث أن الحوار المتبادل والحديث عن صياغة عقد اجتماعي يشكل ضرورة ملحة في منطقة ذات هوية مركبة من مزيج حضارات متنوعة تعاقبت عليها وأعراق مختلفة امتزجت واختلطت فيها، وهذا لن يتحقق إذا لم تتصالح شعوب شرق المتوسط بين بعضها البعض على مستقبل المنطقة وتتقبل اختلافاتها بإعادة قراءة الماضي بكل جوانبه- لغة ودين وتراث، والتركيز على قضاياها الإنسانية ببناء أجيال جديدة تحترم الاختلاف في الرأي وتؤمن بتحرير الفكر وحرية المعتقد، وبناء ثقافة مدنية تزاوج ما بين قيم الانتماء والأصالة ومفاهيم الحداثة والانفتاح على تجارب الشعوب الأخرى

Share on facebook
Share on google
Share on twitter