أوجه شبه غير متوقعة بين إصلاحيات إسلامية وإصلاحات لوثر

أوجه شبه غير متوقعة بين إصلاحيات إسلامية وإصلاحات لوثر

ديزيري كوسترز

ديزيري كوسترز

طالبة ماجستير دراسات عربية و اسلامية في جامعة لوفن الكاثوليكية, حاصلة على ماجستير في السياسة الدولية و دراسات النزاع في جامعة لايدن و جامعة أوترخت

إحتفلت عدد من البلدان أوروبية السنة الماضية بعيد الحركة الإصلاحية البروتستانتية اللوثارية 500 سنة (1517). كانت هذه الحركة الإصلاحية وسيلة لتوحيد التفكير العقلي والعلمي مع الدين. يُقال ذلك أيضاً عن مصلحيين المسلميين في زمن النهضة. تقارن هذه المقالة هاتين الحركتين: الإصلاحية البروتستانتية و الإسلامية.

إصلاحات لوثر

صدر مارتن لوثر (1483-1546) في القرن 16 95 نقطة شكّ في عقيدة ونمط حياة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية على سبيل المثال فسادها تأثير الكنيسة في المواطنيين الشعور بالذنب لكي تبيع صكوك غفران. علاوة على ذلك فكرة أن الخلاص والخلود يحصل عليهما عبر إيمان المؤمن بأن يسوع هو المخلّض.

     

                         مارتن لوثر، لوحة للوكاس كرانش ثا الدير (1529). مصدر: ويكيبيديا                                                                                                                                     

مع أنه من الممكن أن أضيف كثيراً عن قراءة لوقر للكتاب المقدس، ولكنني أريد أن أذكر في هذه المقالة أنه كان يفسر نص الكتاب بشكل حرفي وهذا يعارض تقليد التفسير الرمزي الكاثوليكي. هذا لا يعني إنه كان أرثوذوكسياً بأكمله لأنه كان يفسر العهد القديم بطريقة مجازية.

و دعا لوثر أيضاً الى العلاقة الذاتية بين الفرد و ربه، وجعل ذلك ممكنا بترجمته للكتاب المقدس من اللغة اللاتينية إلى الألمانية. شجع المتدينين على قرءة الكتاب المقدس بأنفسهم لكي يرجعوا إلى أساس الدين بدلاً من أن يتبعوا ما تقول الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

النهضة

النهضة تشير إلى فترة صحوة بدأت عندما دخل نابوليون بونابارت مصر عام (1798) وإستمرت تحت الزعيم العثماني محمد على باشا الألباني الذي إستثمر في التعليم والتحديث في مصر. من بين أمور أخرى أرسل علماء عرب إلى أوروبا في رحلات تعليمية وطبق في مصر نطاماً طباعياً مكّن من توزيع

معلومات كثيرة لكل أنحاء العالم العربي. تعاقب المفكرون والمثقفون الذين إستمروا في التحديث في مجالات مثل التفكير الديني، الأدب العرب وتطوير اللغة العربية. من بين أبرز المفكرين عن الدين سيد جمال الدين الأفغاني (1839- 1897) ومحمد عبده (1849-1905).

                                              سيد جمال الدين الأفغاني. مصدر: ويكيبيديا                                                                                                                                                          

أوجه الشبه

أولاً، بدأت الإصلاحية البروتستاتنتية والنهضة بعدم رضا عن الظروف السياسية والإقتصادية. عرفت أوروبا تحت السيطرة الدينية الكاثوليكية الرومانية وتحت النظام الإقطاعيّ في مصر نهاية السيطرة العثمانية، فترة الإنهيار والفقر.

ثانياً، دعت الحركتان إلى تفسير جديد للكتاب المقدس والقرآن الذي يؤيد علاقة ذاتية بين المتدين والربّ أو الله. يعتبر الكثيرون تفسير لوثر متحرراً لأن الكنسية لم تعد تقف بين الفرد والله. فسر المصلحون المسلمون في النهضة عقائد التقليدية المنتشرة. شجب الأفغاني وعبده التقليد الأعمى لأرآء الأمة (الحكم الديني في تلك الوقت) ودعا كل مسلم أن يقرأ القرآن بنفسه إلى استخدام العقل و التفسير الشخصي، أيّ الإجتهاد، في فهم القرآن.

ثالثاً، شجعت الحركتان تطوير العلم وإستخدام العقل. عارضت الإصلاحات البروتستنتية الرفض الكاثوليكي للتجارب العلمية. أوحى تفسيرها الحرفي للكتاب المقدس البحث عن العلم لأنه جعل الناس ينظرون إلى العالم من حولهم كيف إنه تجريبي وليس إفتراضياً بمعنى رمزي.

في النهضة تمّ تشجيع الحصول على العلم والمعرفة عبر الاجتهاد. الأفغاني على سبيل المثال فكر إن العلم لازم يكون على أساس التفكير الفلسفي ووضع نظرية عن المعرفة يدعو فيها إلى أن البحث العلمي ينسجم مع الإسلام.

ملاحظات

 

رغم أوجه الشبه بين الحركتين توجد بعض ملاحظات تستحق ذكرها. أولها هي أن  النهضة ليست الحركة الإسلامية الوحيدة التي دعت إلى الرجوع إلى أصل الإسلام. دعت للإصلاح الوهابي (القرن 18) أيضاً إلى قراءة القرآن بشكل حرفي. ولكن أدت الحركة الوهابية إلى إظهار العقيدة السلفية التي كثيراً ما تربط  (إن كان صحيحاً أم غير صحيح) بالإرهاب.

علاوة على ذلك، كان هدف الإصلاحية البروتستانتية أن إصلاح الكنيسة من الداخل. هدف المصلحون المسلمون كان أن يصلح الدين نفسه، مع إن ذلك أدى أيضاً إلى إصلاحات في مؤسسات مثل في الفقه والتعليم (مثلا جامعة الأزهر الشهيرة).

ثالثاً، حدث الحركة الإصلاحية الإسلامية في سياق إزدياد التواصل الديني بين أوروبا والعالم العربي والإحتجاج الدائم ضد الإستعمار الأوروبي. الإصلاح الإسلامي لذا دخل إلى العالم العربي علم وتقنية محددة من العالم الغربي بمحافظة على أرآئهم واعقيدتهم الدينية وعبر ذلك طوروا هويتهم الخاصة في الدنيا الذي إزداد عولمة. الإصلاحية البروتستانتية، من ناحية أخرى، لم تواجه هذا التواصل الديني.

مصلحون مسلمون جدد

دعا بعض المفكرين و المثقفين المسلمين الجدد بإصلاح الإسلام. نصر حامد أبو زيد (1943-2010) على سبيل المثال، جادل بأن يُقرأ القرآن مع الأحذ بعين الإعتبار  إنه ليس فقط كتاب ديني، ولكنه أدب كُتب في سياق ثقافي وتاريخي معين. فدعا إذاً إلى قراءة القرآن بشكل نقدي. أجبر أبو زيد بسبب أرآئه أن يهرب من مصر وعاش بعد هجرته في هولندا.

نصر حامد أبو زيد. مصدر: ويكيبيديا                                                                                                                                                                     

أجبر محمد نعيم (ولد 1946) أيضاً أن يهاجر من بلده السودان و ينتقل إلى الولايات المتحدة فرأيه هو إن التميز بين الآيات المكية و الآيات المدنية ضروري. الآيات المكية تمّ وحيها قبل هجرة النبي إلى المدينة، تضمن بالنسبة لنعيم رسائل عن البشر ككل وعن أساس الدين بينما الآيات المدنية تضمن واجبات وقوانين مباشرة. يعطي نعيم أولوية للآيات المكية لأنها تتضمن حقيقة خلودية بينما الآيات المدينة ملائمة للوقت الذي ظهرت فيه، ولكن ليس بضرورة ملائمة للمجتمع الحالي. مثال آخر أمينة ودود (ولدت 1952) وهي عالمة لاهوتية ومسلمة أمريكية التي تقرأ القرآن من وجهة نظر نسائية

 

وتقول إن يمكن للمرأة أن تكون أمامة.

كتاب أمينة ودود: القرآن والمرأة: إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسائي. صدر الكتاب بالإنكليزي عام 1999 والترجمة العربية عام2006.                                                                        

في تلخيص، دعت الحركة الإصلاحية اللوثرية وإصلاحيات مفكري ومثقفي اللوثرية إلى تفسير جديد للكتاب المقدس وللقرآن الذي يسمح للكتابين أن يُقرأ بشكل صادق ويسمح بتطورات حديثة وعلمية في نفس الوقت.

في العالم الإسلامي الجديد المعاصر، تابع مفكرون ومثقفون جدد مثال هتان الحركتان في تفسيرهم الجديد للقرآن وللإسلام الذي يوافق بالعالم الماصر والحديث، إن كان في بلدان عربية أم في الغرب.