من يندمج بمن؟
Close-up of human hands stacked upon one another --- Image by © Eric Audras/Onoky/Corbis

من يندمج بمن؟

باسل شعبان

باسل شعبان

طالب دكتوراه في البيولوجيا من جامعة فوبرتال-ألمانيا, كاتب و مدون سوري

بعد موجة اللجوء الأخيرة للاتحاد الأوروبي عاد سؤال الأندماج ليطرح بقوة على الساحتين الشعبية والرسمية الأوروبية. البعض اعتقد باستحالة اندماج الوافدين الجدد إلى أوربا بسبب قدومهم من خلفيات دينية وعرقية ومجتمعية بعيدة ومختلفة عما يراه القيم الأوربية. وهؤلا البعض استندوا في محاججاتهم على تجارب عاشتها بعض الدول الأوربية كتجربة الأتراك في ألمانيا والنمسا وتجربة الجزائريين والمغاربة في فرنسا وبلجيكا. القسم الآخر من الأوربيين اعتقدوا بأن هذه الحالة مختلفة عما سبقها لسببين الأول هو أن المجتمعات الأوربية أصبحت تملك الخبرة بعد تجاربها السابقة للنجاح في هذه المرة و الثاني هو أن المجتمع الاوربي يعد اليوم أكثر تنوعا مما كان عليه قبل 50 عاما وأصبح ناضجاً لاستقبال واستيعاب القادمين الجدد

لكن وجهتي النظر السابقتين عامتان وتغفلان الكثير من القضايا الاساسية التي قد تؤدي إلى نجاح عملية الاندماج أو فشلها. فالنظر لاوروبا كمجتمع واحد يملك ذات التجارب هو بعيد عن الحقيقة، فالاندماج مثلا في برلين أو باريس أو بروكسل أو لندن لا يعد ذات المهمة كالاندماج في ستاندل أو هاسلت أو لو هافر. في المقابل النظر للاجئين كمجتمع واحد هو أيضا بعيد عن الحقيقة فاندماج شباب متعلمين يتحدثون لغة أجنبية ومنفتحون على المجتمعات الغربية لا يعد ذات المهمة كاندماج محافظين تجاوزوا الاربعين وقد غادروا بلادهم للمرة الاولى بسبب الحرب

بالاضافة لما سبق فهناك بكل تأكيد تعريفات مختلفة وأهدف مختلفة لمؤسسات الاتحاد الاوربي وللمجتمعات المحلية فيها. فالمؤسسات الاوربية تعرّف أوروبا من منظور قيم حقوق الانسان والحداثة ببعديها الاقتصادي والاجتماعي، بينما هنالك الكثير من المجتمعات المحلية في اوروبا التي تعرف نفسها على اساس قومي أو ديني بما يستدعي التعريفين لخلق آخر يتمايزون عنه، آخر إندماجه

 

يعني فقط تحوله إلى هذه القومية أو الدين أو تماهيه الكامل معهما، ومما يؤدي في الضرورة للوقوع في نهاية المطاف في العنصرية القومية أو العنصرية الدينية اللتان تتبناهما ليس فقط المجتمعات المحلية بل أيضا البعض من الوافدين الجدد.

وبناءاً على ما سبق تسعى بعض مؤسسات الاتحاد الاوربي لتجاوز المشكلة بإظهار اللاجئين في شكلٍ تتقبله المجتمعات المحلية وهذا برأيي هو جوهر سبب فشل التجارب السابقة للاندماج وهو سيؤدي الى فشل التجارب الحالية. فالاندماج هو عملية تفاعلية بين مجتمعين وبين هويتين وهو ليس محاولة مجتمع للذوبان تماما في مجتمع آخر أو استبدال هوية قديمة بأخرى. الاندماج يحدث عندما يتبادل مجتمعان التجارب ويخلقان مجتمعاً ثالثاً وهوية جديدة. وبكل تأكيد يجب على هذا أن يحدث تحت مظلة القيم الأوربية القائمة على أساس ثوابت هي حقوق الانسان، بما فيها المساواة بين الرجل والمرأة والاحتكام للقانون وللمؤسسات والقبول بالعملية الديمقراطية أساسا لحل الخلافات.

وعليه فإن انتظار بعض المؤسسات الاوربية و الأوربيين لرؤية المهاجرين كمرآةٍ لهم تحمل ألواناً مختلفة هو مضيعة للوقت وسبب لفشل الاندماج. بالمقابل يعاني بعض الوافدين الجدد لحنين لمجتمعهم السابق وعليه يحاولون خلقه كما هو في أماكن عيشهم الجديد فيخلقون مجتمعاً انتقائياً وصورة مشوهة عن مجتمعاتهم الأم وهذا أيضاً مضيعة للوقت وسبب آخر لفشل اندماجهم.

تلخيصاً لكل ما سبق أستطيع القول أن الاندماج هو خلق هوية جديدة، وأن كل محاولة للحفاظ على هوية قديمة من الأوربيين أو الوافدين الجدد هو عائق للإندماج. إضافةً لذلك يتمظهر الأندماج بشكل جليٍ بعيداً عن التحليلات في امتلاك السكان المحليين والوافدين الجدد هموماً مشتركة وأهدافاً مشتركة وربما مخاوف مشتركة، وربما لن نبالغ إن قلنا أن هذا هو القياس المباشر لنجاح أو فشل عملية اندماج ما.

سأطرح في نهاية المقالة مثالين ناجحين للإندماج الأول هو المهاجرون العرب

 

والألمان والأفارقة والإيرلنديون والطليان في الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم العولمة تجد هؤلاء أمريكيين في الهموم والتطلعات والأفكار، على الرغم من أن بعض هذه المجتمعات لا تزال في الجيل الثاني أو الثالث في تلك البلاد. والمثال الثاني المختلف تماماً عن الأول هو بلدي سوريا، فبنظرة موضوعية لتاريخ هذا البلد تجد أنه مكون من خلفيات عرقية وقومية ومجتمعية مختلفة، حيث أن كل أمبراطوريات العصور القديمة مرت عليه وتركت فيه ثقافةً وأفكاراً وجينات، استطاعت على الرغم من اختلافها أن تخلق مجتمعاً يعيش على نبض واحد، بعيداً عن الأزمة السياسية التي يعيشها الآن. الفرق بين التجربتين هو أمران، الأول هو أن المهاجرين في سوريا مضى على بعضهم أكثر من 20 جيلاً وبعضهم 3 أجيال، والفرق الثاني هو أننا نعيش اليوم في عصر عولمة لم يكن موجوداً في السابق. والمشترك بين التجربتين هو أن المجتمع لم يعرف نفسه بإقصاء للآخر، مع استثناء بعض الحركات السياسية للبيض الأمريكيين أو بعض الحركات السياسية الأسلامية أو القومية في سوريا. وعليه فأريد أن أصل لنتيجة مفادها أن فشل الاندماج لا يملك بأساسه أسباباً اجتماعية بقدر ما هو فشل سياسي ومعرفي لتلك المجتمعات.

هل ينجح اندماج اللاجئين في أوروبا، الأمر الآن ودوماً بيدنا.

“>