كينونة الإنسان ووحدة الحقيقة

كينونة الإنسان ووحدة الحقيقة

عاصم كاتبة

عاصم كاتبة

طبيب و مدون و ناشط ثقافي من سوريا, مقيم في بلجيكا


منذ فجر التاريخ كان البحث عن سر الوجود هو الهاجس الأهم للإنسان العاقل، وقد تجلى هذا في الكثير من الألواح والكتابات المسمارية التي احتوت على أساطير تتحدث عن رحلة الإنسان المعرفية والبحث عن الخلود في حضارات الشرق الأدنى القديم، ومع تعاقب هذه الحضارات أخذت هذه الرحلة طابعاً مختلفاً تعمق بالتدريج مع ظهور الديانات التوحيدية الإبراهيمية، وظهور مفهوم المخلص ومنقذ الإنسان من شرور هذا العالم، لتتكامل الصورة في تجربة يسوع الناصري كونه أول من أرسى فكرة الإيمان المعتمد على المحبة، وأن هذه المحبة هي القاعدة المتينة للعلاقة العامودية بين الإنسان والرب حسب اللاهوت المسيحي، لاشك أن تجربة يسوع تركت أثراً عظيماً على تلامذته وأتباعه وأساساً متيناً لمفهوم الخلاص في رسائل بولس الطرسوسي، ومؤلفات الرهبان من بعده كمعرض الإيمان القويم ليوحنا الدمشقي، والخلاصة اللاهوتية لتوما الأكويني، وليل الروح المظلم ليوحنا الصليب، وغيرها من الكتابات التي شكلت إضافات على ما سبقها من نتاجات فلسفية لاهوتية. في ذات الاتجاه كانت الرسالة المحمدية عن الحب والاصطفاء مختلفة في الشكل لكن الجوهر واحد، فالإحسان والرحمة اللذان يعتبران من أهم الأركان الأساسية التي يقوم عليها الفكر الإسلامي شكلا مصدر إلهام للكثير من التجارب الإنسانية اللاحقة في هذا المجال، والتي تجلت في فلسفة إخوان الصفا وفكر المعتزلة وأشعار المتصوفة. طبعاً لاشك أن الكتابات والأشعار في هذا المضمار على اختلاف مراحلها التاريخية ظلت تتمحور حول مفهوم العشق الإلهي والوصال حتى بلوغ درجة العرفان، من أهم هذه المؤلفات على سبيل المثال الفتوحات المكية لمحي الدين بن عربي، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وغيرها من دواوين الشعر كرباعيات عمر الخيام، وديوان المثنوي لجلال الدين الرومي، وأشعار الحلاج وحافظ الشيرازي، وغيرها الكثير. في الاتجاه الآخر شكلت الكتابات الفلسفية اليونانية كجمهورية أفلاطون، وما تلاها من نتاجات فكرية زمن ازدهار الحضارة الهيلينية

 

مصادر اقتباس مهمة لأدب المدينة الفاضلة للفارابي، واليوتوبيا لتوماس مور، وللتيارات الفكرية التي ظهرت فيما بعد في أوروبا على أيدي مفكرين عظام كديكارت وفولتير وكانط، والتي تدعو إلى فكر تحرري جمعي ينادي بالقيم الإنسانية، وفلسفة الجمال في مواجهة الفردانية والنزعة البشرية تجاه التملك والسيطرة، بالإضافة للحركات الفنية التحررية كالحركة السوريالية التي برزت كرد فعل على المنطق السائد، والدعوة إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، والارتقاء بالأشياء إلى ما فوق الواقع، والتي بلغت ذروتها في أعمال أندريه بريتون وسلفادور دالي، وأمثالهم من الأدباء والفنانين.
في سياق مختلف، وبالتزامن مع حركة الفكر في حوض المتوسط وأوروبا، شكل تراكم التجارب الروحية في الفلسفات الهندوسية والبوذية مع مرور الزمن قواعد حقيقية لمفاهيم علمية واجتماعية جديدة، مفاهيم تدعم الارتباط والتلاحم الإنساني القائم على مبدأ المساواة كسبيل لبلوغ عالم بشري أكثر انسجاماً وتناغماً، كما في فلسفة المهاتما غاندي التي اعتمدت على مبدأ اللاعنف لنيل الحق، وغيرها من حركات التحرر الاجتماعي في أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا ضد سياسات التمييز العنصري.
كل ذلك جعل الحديث عن القيمة الإنسانية في عالمنا المعاصر مادة غنية للكثير من المفكرين الحداثيين، فما قدمه إدوارد سعيد في كتاباته النقدية، ونيكوس كازانتزاكيس في رواياته، وأدونيس في أشعاره النثرية كان أصدق تعبير عن حاجة الإنسان إلى العبور فوق الحدود القومية والاختلافات العرقية، بينما شكلت كتابات أمين معلوف وباولو كويلو وواسيني الأعرج وأليف شافاق، وغيرهم من الروائيين أمثلة صادقة ومعبرة عن أهمية تجاوز صراع الهويات وصدام الحضارات، كل هذا التراكم في الوعي الجمعي لبني البشر يجعل فكرة وحدة الحقيقة، وسعي الإنسان الدائم لإدراك كينونته هو جوهر هذا البحث رغم اختلاف الطرق والمسميات، والإنسان في عصر ما بعد الحداثة اليوم هو أحوج ما يكون إلى استعادة كينونته المفقودة في هذا العالم الذي تحكمه المادة المدمرة، واستعادة دوره الحقيقي في سيرورة التطور والتمايز لبلوغ عالم متجانس خالٍ من النزاعات والفقر والجهل، عالم تسوده الحرية الفكرية والقيم الجمالية والعدالة الاجتماعية.